البغدادي
381
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وهذه عبارته : النبيّ : إنسان بعثه اللّه إلى الخلق ، لتبليغ ما أوحاه إليه . وعلى هذا لا يشمل من أوحى اللّه ما يحتاج إليه لكماله في نفسه ، من غير أن يكون مبعوثا إلى غيره ، كما قيل في زيد بن عمرو بن نفيل ، اللهمّ إلّا أن يتكلّف . أقول : هذا غير صحيح ، فإنه لم يقل أحد من المؤرخين والمحدّثين : إنه نبيّ ، أو ادّعى النبوّة . وأمره مشهور ، وكان حيّا في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وليس في عصره نبي غيره . قال الذّهبي : زيد بن عمرو بن نفيل هو الذي قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » : « إنه يبعث أمّة وحده » ، وكان على دين إبراهيم ، ورأى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتوفي قبل مبعثه صلّى اللّه عليه وسلّم . وكان دخل الشام والبلقاء . وكان نفر من قريش : زيد ، وورقة ، وعثمان بن الحارث ، وعبيد بن جحش « 2 » ، خالفوا قريشا ، وقالوا لهم : إنكم تعبدون ما لا يضرّ ولا ينفع من الأصنام ! ولا يأكلون ذبائحهم . واجتمع بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قبل البعثة ، وقال له : إني شاممت النصرانية واليهودية فلم أر فيها ما أريد ، فقصصت ذلك على راهب فقال لي : إنك تريد ملّة إبراهيم الحنيفية ، وهي لا توجد اليوم ، فالحق ببلدك فإنّ اللّه باعث من قومك من يأتي بها ، وهو « 3 » أكرم الخلق على اللّه . اه . ومنه تعلم أنّ ما قاله الدوّاني لا يليق بمثله أن يذكره . وكذا ما في حواشي الكازروني من أنه يجوز أن يكون زيد مبعوثا إلى الخلق ، بدليل أنه كان يسند ظهره إلى الكعبة « 4 » ، ويقول : أيها الناس لم يبق على دين إبراهيم غيري . ويعلم من هذا أنه يجوز أن يكون نبيا ، فلا ينتقض به التعريف . انتهى . وهذا مما يقضي منه التعجّب ، وكذا جميع ما ذكره هنا أرباب حواشيه .
--> ( 1 ) في طبعة بولاق : " واحدة " . وهو تصحيف صوابه نسب قريش ص 365 ؛ والنسخة الشنقيطية . ( 2 ) ذكره ابن حجر في الإصابة 6390 فيمن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، وقال : شهد القادسية ونزل الكوفة . ( 3 ) في النسخة الشنقيطية : " وهم " . وهو تصحيف صوابه من طبعة بولاق . ( 4 ) في نسب قريش ص 364 بعد قوله هذا : " ويستقبل الكعبة ثم يقول . . " .